التغيير وشعوب المنطقة ومواقف قوى التنوير

المنتديات فكر وعقائد الدين والتنوير والحداثة التغيير وشعوب المنطقة ومواقف قوى التنوير

التغيير وشعوب المنطقة ومواقف قوى التنوير

  • Dr. Tayseer Al Alousi
    Dr. Tayseer Al Alousi


    التغيير وشعوب المنطقة ومواقف قوى التنوير

    د. تيسير عبدالجبار الآلوسي


    مقتبس من المعالجة: “التغيير حسمٌ ينتهي بإطلاق مشروعات البناء وتلبية الحقوق والحريات بينما الإصلاح وهمٌ مضللٌ يعيد تكريس نظم التخلف والاستغلال ومزيد تضحيات جسام.. فأيهما نختار؟“.

    كيف نتعامل مع (التغيير) وما مهامنا للتنوير باتجاه التغيير؟ هل حقا يمكن الجنوح لمصطلح (إصلاح) كما يسوَّق له في عراق الطائفية المافيوية؟؟؟ ومثله وسط شعوب المنطقة كيف نعالج إشكالية التنوير والتغيير هل نقبل بدجل التضليل والاكتفاء بالإصلاح الذي لا يتضمن سوى ترقيعات تكرس النظم الاستغلالية؟؟؟
    *********************************
    سادت منطقتنا نُظُم سياسية كرست طابع الأحادية ومصادرة الحريات من جهة وأخفقت في بناء أسس التنمية وتلبية الحقوق من جهة أخرى؛ فجاءت انتفاضات الانعتاق والتحرر قوية واسعة، حتى شملت قطاعات واسعة من شعوب المنطقة.. وبصرف النظر عن أسباب الاخفاق والاختراق الهيكلي العائد إلى أسباب تتعلق بالقصور في مستوى استعداد الحركة الوطنية الديموقراطية وظروفها التنظيمية وانعدام قدرات القيادة، بغض النظر عن ذلك فإن الواقع أشار إلى حقيقة جسدتها تلك الخروق البنيوية التي أفضت لمجيء نظم أعتى في تخريبها..

    لقد تعاورت أسباب كثيرة على استغلال قوى إقليمية كثيرة انهيار النظم التي حكمت طويلا وفدعت بميليشيات أغلبها عناصر متشددة معدة جيداً لإثارة القلاقل والتحكم بميادين القتال بالاستناد إلى أضاليل ظلامية تتستر بشعارات الإسلام السياسي وبريق القدسية والوعود الإلهية المزعومة، وهكذا جاءت نُظُم الإسلام السياسي فأوجدت وضعا ظلاميا كارثيا؛ فازت فيه القوى المافيوية وفسادها وأدواتها الميليشياوية في إدارة الأوضاع نهبا وسلبا ومصادرة وإلغاء..

    ومن جديد وبعد سنوات من هذا الحكم الظلامي وادعاءات قواه، انحدرت الأمور إلى حضيضها حتى ماعادت لقمة الخبز موفورة غير قضية بلطجة عصابات مافيوية وعنف ميليشياتها… فاكتشف البسطاء المسحوقين واقعا تراجيديا بات يلفهم وينتهك إنسانيتهم…

    إنّ رد الفعل الطبيعي هو تلك التظاهرات المطلبية الحقوقية بخنلف القطاعات والميادين ثم تحولها إلى حركات احتجاجية مطلبية شاملة تتشارك فيها أوسع الفئات الشعبية التي نهبوا كل شيء من صحن زادها وطعامها ولكن تلك الحركة الاحتجاجية جوبهت بمناورات تتستر بأغطية التدين وقدسية تلتحف الإسلاموية والتمثيل الحصري للإله..

    في هذه المنطقة من الصراع بين قوى الشعب ومطالبها الحقوقية الإنسانية الأساس وقوى النهب المافيوي والعنف الميليشياوي؛ باتت دروس الصراع تمنح وعياً أبعد للقطاعات الشعبية، وعياً يجعلهم يشخّصون أعداءهم ناهبي قوْتِهم اليومي…

    وهنا بالتحديد تومض حقيقة الحاجة لقوى التنوير تقود الحراك وتتحول بالحراك الاحتجاجي الشعبي إلى غايته الأنجع.. إذ من المستحيل للمطالب الحقوقية المادية المحدودة أن تحصل على الحل وعلى الاستقرار متجسدا باستجابة تامة من الدولة ومؤسساتها لتلك المطالب، فكيف يمكن لمؤسسات مشوهة منهوبة ومجيَّرة كليا للسرقة أن تعيد المنهوب المسروق لأصحابه!؟

    إن الكارثة وإشكاليتها الفعلية والسبب الحقيقي الذي يقف وراءها ووراء النهب الهمجي ووحشية إرهاب الناس هو (النظام) وآلياته وقوانين اشتغاله الاستغلالية التي تقوم على استعباد الإنسان مقابل وعد بأن يجد مطالبه بعد تقديمه قرباناً للسيد المتحكم المترع برغائبه وغاياته على حساب إنسانية الناس حقوقاً وحرياتٍ…

    التغيير قراءة اصطلاحية بين الاستراتيج والتكتيك ، بين النظري والعملي : كيف نقرأ الموضوع وكيف نتخذ المواقف في ضوئه؟
    لقد توصلت طلائع القوى التنويرية إلى أن البديل والحل لن يتحققا من دون ((تغيير النظام)) فالـ((تغيير)) هو جوهر الحل.. ولن تنفع ترقيعات ((الإصلاح)) المزعوم وما يزعقون ليل نهار وقد صدَّعوا رؤوس الناس المقهورين به بالإشارة غلى ((الإصلاح)) فإنه ليس سوى أضاليل وبعض فُتاتٍ يُلقى للجياع المحتجين لإسكاتهم ولو مؤقتاً، ولكنه فُتاتٍ لا يُسمن ولا يُغني من جوع، إنه مجرد وسيلة أخرى لإعادة إنتاج نظام النهب والسرقة وإرهاب الناس في وجودهم…

    لهذا بالتحديد تولدت القناعة التامة لدى قيادات الحراك الاتجاجي في مجموع بلدان المنطقة بأن الشعار الأنجع لقيادة الحراك هو شعار ((التغيير لا الإصلاح)) التغيير وحده هو ما يأتي بالحل البديل كليا ونهائيا.. بينما رفع شعار ((الإصلاح)) هو مشاركة رؤوس النظام وقياداته الظلامية الإسلاموية وكل من يسطو على مؤسسات الدولة، دجلاً وتضليلاً؛ ومن ثم فالإصلاح لعبة يُزعق بها، لإخراس الحركة الاحتجاجية وإسكات أصواتها..

    إن جوهر الحركة الاحتجاجية وقلبها النابض من شبيبة تئن تحت العقب الحديدية لإرهاب السلطات وميليشياتها الإجرامية بات على قناعة تامة ناضجة ومطلقة بأن الشعار الوحيد الصحيح والصائب هو ((التغيير)) طريقا لاستعادة الحقوق والحريات…

    ومن بقي مترددا أو متلكئا في التمسك بشعار التغيير إنما يخدم ألاعيب المراوغة والتضليل التي تناور بها قوى معادية للشعب وهي قوى تتحكم بالأوضاع من مختلف أجنحتها الإسلاموية، ظلامية النهج بالضرورة.. وبالتأكيد فتلك القوة تمثل جناحاً من قوى التخلف وإرهاب الناس؛ جناحاً يلجأ للمراوغة بقصد امتصاص غضب الشعب بوساطة ألاعيب منها إطلاق الوعود والعهود بـ((الإصلاح)) وضمنها عقد التحالفات مع قوى تنتمي للشعب ولكنها مازالت مترددة في رفع شعار التغيير وكأن القضية مجرد لقمة خبز يلقونها في الصحن المنهوب والبطون الخاوية أو مجرد مطلب هنا أو أمور مادية بحتة هناك!!

    القوة المترددة تبحث عن جدوى تضحياتها وعن فائدة لمجمل اشتغالها ولو كانت الجدوة أو الفائدة مجرد كِسرة خبز قد تكون منصباً أو أيّ نفع مادي ملموس لتقول للتائهين ها أنا ذا جئت لكم بشيء وتظن أنها بهذا تقلل خيبات الأمل والاحباط والياس من التفشي، وذاك الظن لا يصيب ولا ينجح لأن الحقيقة هي مزيد تكريس لإقرار الواقع المنتهك بنيويا هيكليا، اي المسلوب الحقوق والحريات وايضا مسلوب الإرادة..

    فعندما تتكرر الحركات الاحتجاجية وتفشل في إنجاز مهامها مثلما حصل في عراق ما بعد 2003 وأوقعوا الانتفاضات المتعاقبة بمطبات المناورة من جهة وسطوة البلطجة بالحديد والنار بات كثير من الناس لا يرون أنفسهم إلا من خلال حماية بلطجي مقابل التفاف حوله يكرس استعبادهم غياهم حصة مما يقتسمه مع بلطجية آخرين من المتحاصصين بمنطق الطائفية (الإسلاموية السياسية) ومافيوية آلياتها…

    إن اعتياد الاستعباد والخشية من المجهول مما سيلي التغيير يخلق عقبة داخل الوعي تجاه التغيير فيتخذ كثير من الجمهور وقياداته تمترسا خلف المناورة والإبطاء في خطى التغيير أو تبنيه. ونحن دري أن تفسير التغيير سيختلف على وفق إدراك الشخصية له أو القوة أو الفئة المجتمعية ومن هنا فقد يسبق صوت القوة التي تتبنى التغيير صوت يعاديه ليشوهه في وعي الناس وينفضّ قسم منهم عنه…

    لقد تعودت الأغلبية على روتين العادات الوظيفية والتعايش مع النظام على طريقة من يأخذ أمي أسميه عمّي وتسبدال (شخص) رئيس النظام لم يعنِ استبدال النظام و\أو تغييره ما يعني أن الجمهور مازال معتادا على التعايش مع ما يحيطه عدا عن قليل من ردات الفعل التي هي الأخرى تكرس التعوّد والتعايش أو الاستسلام للمنظومة العامة للعادات بعد تكرار إفشال المحاولة ومن هنا فإنّ اختيار حراك التغيير قد لا يكسب جمهورا واسعا من عاملي الخشية من المجهول ومستوى إدراك الآتي ومن قوة العادة وسطوتها على دواخل الناس أفرادا وجماعات…

    وسيصاحب تلك العقبات الخشية على الامتيازات المادية بعد امتهان القيم الروحية وتشويهها في الذوات التي تصاب بالأوبئة والأمراض القيمية السلوكية الأمر الذي يدفع للقلق والخشية على جوانب امتيازات مادية الجوهر والمنتهى. إن من يعارض التغيير بهذا المنطق إنما يرى الامتيازات المتاحة تتعرض للفقدان بالتغيير فيكتفي بمبدأ: طير في اليد خير من عشرة على الشجرة، لا يرى على وفق مهاراته وخبراته أنه سيكسبها أو أنه سيضحي بمقابل لا يراه مستحقا مقابل ما يكسب بتقويمه المادي المحسوس ومرضية التقييم إياه..

    على أنه دائما هناك رؤية عميقة سليمة وصائبة للتغيير تتطلب مواقف تمسّكٍ ودفاع عن التغيير ومطاولة في النفَس وبديهة التعامل مع المناورات المضادة والعقبات التي تستجد أو تفاجئ حراك التغيير وأن يجد الحلول العاجلة لما يقف عثرة بوجهه بسبب اختلاف أو خلاف يجابه من يقود مهام التغييروكذلك يتطلب من ينهض بالمهمة أن يكون قادرا على اجتذاب مزيد من القوى إلى جانبه لا أن يفقدها وأن يتجه لتعزيز وحدة من يتبنى مبدأ التغيير باستقلالية تامة عن القوى المضادة كي لا يسهل اختراقه وخرق فرص اشتغاله وتاثيره.. وفي ذات الوقت أن يتتوافر له فرص أو قدرات الاتصال الأفقي العمودي بتنظيماته وجماهيرها مهتماً بالتفاصيل بلا إغفال لمحور أو شأن بعينه يترتب عليه خسائر جبهة تختلق عقبة كأداء له. بينما الاشتغال الأشمل يقتضي عدم محاصرة الحراك في جبهة أو منطقة وجغرافيا محددة مكانيا فئويا. ودائما تقتضي الحركة الاحتجاجية لتوسيعها اهتماما بمجموع عناصرها وبمنحهم الثقة وحوافز الدفع للعمل أنشط وأكثر تنويعا وتقدما.

    ومن أجل تعزيز مسيرة التغيير يجب الاهتمام بنواة الفعل القائمة على التلاحم والاتحاد والاستقلالية من جهة وعلى تغذية الناس بأوسع معلومات عن أوضاعهم وما سيجابههم قريبا وبعيدا في المديات الاستراتيجية.. كما سيكون التوجه لإشراك أكبر حجم من الجمهور المعني بالقضية الهدف حيث يتجه نداء التغيير لا إلى فئة بعينها بل إلى أوسع الفئات المعنية الأمر الذي يقتضي هو الآخر تقليلا لحجم المعاناة من التغيير وتوضيح ما سيصادفنا من مكاسب وانتصارات في ظلاله. على أن خطوات التغيير وحركته الاحتجاجية دائما تظل بحاجة لفتح الحوارات الداخلية من جهة ومنصات التفاوض مع الآخر استقطابا لأشكال التضامن الخارجي من جهة وكسرا لتصلب أو تعنت سلطة الطائفية الظلامية وألاعيبها..

    إننا نرصد تجاريب مثل الحراك السوداني الأخير الذي بدأ مطلبيا وانتهى بفلسفة التغيير طريقا ومثله ما جرى في سوريا وليبيا وليس مختلفاً إطلاقا ما توصل إليه الحراك الاحتجاجي المطلبي في العراق الذي تكرر من دون حل أو بديل ما أفضى لإدراك حقيقة أن كل وعود ((الإصلاح)) هي تستر وتغطية على معنى واحد وحيد هو معنى إعادة إنتاج نظام الطائفية ، نظام نهب الثروات والاستعداد لبيع آخر موجودات العراق ألا وهي الإنسان والفرار بما تم اكتنازه ونهبه من ثروات. بما يؤدي بالخلاصة إلى ما وصل إليه الشعب من تبني ((التغيير)) طريقا للخلاص وهو ما اتخذته مؤتمرات قوى تنويرية في السنوات الأخيرة يوم اقرت ((التغيير)) منهجا كليا شاملا ورفضت تسويق ((الإصلاح)) أداة ليست سوى تكريسا للتضليل ولإعادة إنتاج النظام ومزيد تضحيات جسام..

    نصل إلى استنتاج أخير هو أن أية شخصية أو قوة تنويرية تتمسك بالإصلاح شعارا وتتحد أو تأتلف أو تتحالف أو تنسق مع قوى طائفية المنهج على أساس وجود قاسم مشترك ممثل بالإصلاح إنما تسوق لإعادة إنتاج النظام وتخون الشعب وقراره في التغيير.. إنها تكرس الاحباط والياس وأثرهما في الانتكاس نحو إرادة مصادرة مسلوبة تستكين لعطايا تسكين الألم فيما سيأتي بعده ما هو أنكى وأكثر تخريبا وفتكاَ…!!!

    والتغيير من قبل ومن بعد، شعار ووسيلة أممية تشمل شعوب العالم وقواها الحية لاستشراف مستقبل أفضل بدل السكون والرتابة بما يكرس نظم الاستغلال وبشاعاتها…

    ومحليا في منطقتنا لا مجال للانعتاق والتحرر إلا بالتغيير. ولمعالجتنا بقية ترحب بكل تعليقاتكنّ وتعليقاتكم تداخلا بهيا للتنضيج

يجب تسجيل الدخول للرد على هذا الموضوع.