الزمن العربي الرديئ

الزمن العربي الرديئ

  • athir
    athir

    حازم صاغية
    حازم صاغية
    درّج الشاعر الفلسطينيّ الراحل محمود درويش عبارة “الزمن العربيّ الرديء” التي يُفترض أن تدلّ على هزيمة 1967 وما تلاها. وإذا صحّ ما يراه كثيرون من أنّ الزمن الذي افتتحته تلك الهزيمة لا يزال مستمرّاً، بات نطاق العبارة الدرويشيّة بالغ الطول والعرض معاً.

    الشاعر الفلسطينيّ الراحل صاحب عبارات كثيرة اقتُطفت من قصائده ثمّ انتشرت وعمّت، كقوله “ونحن نحبّ الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا”، أو قوله الآخر “على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة”، وهي عبارات يصعب أن تكون سبب خلاف بين شخص وآخر، إذ هي ليست موضوع تباين ونقاش إلاّ مع محبّي الانتحار، وهؤلاء أصلاً لا يناقشون. إنّ فيها، إذاً، شيئاً يقارب البديهيّ والمُجمَع عليه.

    والحال أنّ الثقافة التي يغلب عليها الشفويّ، ويسود لدى أهلها انتظار المخلّصين والأئمة الغائبين، تشيع فيها عبارات توصف بأنّها “حِكَم” أو أنّها حاملة لمضامين رفيعة أو أبديّة الأثر، مضامين قد تصلها بتصوّر ملحميّ فخيم للتاريخ. فهنا، في هذا المناخ العابق بالعظائم، تبقى الآيات أقوى من الأنظمة والمناهج المعرفيّة في التدليل على واقع أو التأشير على تحوّل.

    وحتّى في ثقافات غير شفويّة، هناك مكان محفوظ للعبارات اللاقطة التي تتوزّع على نوعين، واحد يؤدّي وظيفة التلخيص والتكثيف لجهد فكريّ معقّد، على ما تدلّ مأثورات مستقاة من أدم سميث، أو كارل ماركس، أو فريدريك نيتشه، أو سيغموند فرويد، أو سواهم، فيما النوع الثاني هو ما يقبض على مفارقة في الحياة اليوميّة، أو يعضّ على حقيقة صغرى غير مُنْتَبَه إليها في عيشنا العاديّ. وعبارات كهذه غالباً ما تغدو نكاتٍ ودعابات في بيئة المثقّفين. ذاك أنّ ما هو غير متوقّع، بالمعنى الذي قصده هنري بيرغسون، هو دائماً المصدر الأبعد للضحك والإضحاك.

    فأوسكار وايلد مثلاً، وهو الذي برع، بين ما برع به، بأقوال كهذه، لم يستهدف المعاني الخالدة والجليلة، ولا إطلاق أحكام قاطعة على حقب تاريخيّة. فـ “الأكثر ضحالة هو الألمع أثناء تناول الفطور” و”الله، بخَلقه البشر، بالغَ قليلاً في قدراته”، و”الصديق الحقيقيّ هو الذي يطعنك في الوجه”…، عبارات تصحّ فيها تماماً الأوصاف المذكورة أعلاه.

    وحتّى حين كان ونستون تشرشل يتناول قضايا “أهمّ” و”أكثر جدّيّة”، وهو أيضاً معروف بعبارات نبيهة، فإنّه لم يشذّ عن التواضع والاقتصاد التعبيريّ. فعبارته الشهيرة “الديمقراطيّة أسوأ أشكال الحكم، شرط أن نستثني هذه الأشكال جميعاً” تنمّ أيضاً عن المعنى إيّاه، سيّما وأنّها صادرة عن أحد أبرز سياسيّي الديمقراطيّة في العالم. إنّ فيها، بالتالي، بعض السخرية من النفس، أو أقلّه بعض الرقابة على انتفاخها واسترخائها.

    هنا نقع على اختلاف آخر: فلئن كانت عبارة وايلد، أو تشرشل، تبعث على الضحك لأنّها تفارق المألوف والمتوقّع، فمفارقة المألوف والمتوقّع، في العبارة الدرويشيّة، مصدر لأسى وتشاؤم تاريخيّين. هناك تسود خفّة الفرد. هنا يخيّم ثقل الأمّة. هناك تقيم الدعابة الساخرة. هنا تقيم الحكمة المأسويّة. هناك يلوح احتمال ضئيل في التعثّر بالمراهقة المتأخّرة. هنا تنتصب رغبة حاسمة في الكهولة المبكرة.

    لكنّ “الزمن العربيّ الرديء” ربّما كانت، من بين عباراتنا الرائجة هذه، أشدّها زعماً للمعاني الكبرى واكتنازاً بحمولتها. وهي، في الأحوال كافّة، أطولها عمراً وأوسعها انتشاراً، تقال غالباً كأنّها الحقيقة التي لا يرقى إليها الشكّ.

    وحيال عبارة كهذه لا يملك واحدنا إلاّ أن يستعيد بعض أوصاف شائعة لـ “الزمن” مرفقة بأحكام قيمة لا يمكن تجنّبها. ذاك أنّ كلّ شعب من الشعوب لديه “عصرٌ ذهبيٌّ” ما تتباين مقادير الدقّة والأسطرة في تعيينه. ونعلم أنّ بعض العرب وقعوا على هذا العصر في العهد العبّاسيّ، فيما ذهب آخرون إلى أنّه عهد النبوّة أو العهد الراشديّ وزمن الفتوحات. وبدورهم سمّى الأوروبيّون المرحلة الممتدّة من نهاية الحرب الفرنسيّة – البروسيّة في 1871 حتّى اندلاع الحرب العالميّة الأولى في 1914 “الحقبة الجميلة”. ففيها ضمرت الحروب وحصل التوسّع الاستعماريّ، كما ازدهرت الأوضاع الاقتصاديّة وانتعشت الحياة الثقافيّة. لكنّ “الحقبة الجميلة” هي أيضاً، وبفعل مصدرها الواقعيّ، تغدو مع الزمن ومع إضافات النوستالجيا مادّةً خصبة للتخييل، أي للتفكير في ملابسها وأزيائها ومآكلها ورقصاتها وموسيقاها، وسائر أوجهها الحميمة. وهذه سمة يستحيل الوقوع عليها في العبارات الملحميّة الفخيمة التي لا يستطيع مرور السنوات أن يُغنيها بصورة أو بتصوّر.

    لكنْ لماذا يُعدّ الزمن الذي افتتحته هزيمة 1967 “زمناً عربيّاً رديئاً”؟ الجواب السهل، وهو طبعاً المقصود بالعبارة، يوفّره وقوع الهزيمة نفسها، حين استطاعت إسرائيل أن تتغلّب على ثلاث دول عربيّة، في عدادها مصر الناصريّة، وأن تحتلّ من الأرض ما هو أضعاف مساحتها.

    غير أنّ مشكلتين تواجهاننا هنا: من جهة، أنّ الحروب الخارجيّة تغدو معيار المعايير، وذلك على عكس الأسباب (الاقتصاديّة والثقافيّة، وأيضاً السياسيّة والعسكريّة) التي أفضت إلى اعتماد وصف “الحقبة الجميلة” في التاريخ الأوروبيّ. والحرب، هنا، عند درويش وعندنا عموماً، إنّما هي الواقعة العسكريّة المحض، بلا سابق عليها يؤسّس لها أو يتسبّب بها، وهذا ما يقودنا إلى المشكلة الثانية: ذاك أنّ بعض ما يوحي به التعيين المذكور هو أنّ الزمن السابق على هزيمة 67، باستبداده ومخابراته وفشله على معظم الأصعدة، لم يكن “رديئاً”. ونحن لسنا بغافلين عن “نظريّة” خرقاء لا تزال واسعة الانتشار بيننا، مفادها أنّ الحقبة الناصريّة إنّما “رفعت رأس العرب” عموماً وشكّلت عصرهم الذهبيّ في العصر الحديث.

    وبرصف المشكلتين واحدتهما إلى جانب الأخرى نقع على المشكلة الثالثة الأخطر والأمرّ، ألا وهي العجز عن فهم الهزيمة ما دامت مقدّماتها الناصريّة ليست مقدّمات. فكأنّنا نستنتج، والحال هذه، أنّ تنكيس الرؤوس الذي أصابتنا به الهزيمة إنّما هبط علينا من الفضاء بعد “رفع الرؤوس” الذي أحدثه عبد الناصر!. ولمّا كانت الهزيمة (غير المفهومة الأسباب، أو المفصولة عن أسبابها) مدخلنا إلى رداءة الزمن، باتت الرداءة ذاتها غير مفهومة بالتالي.

    والحقّ أنّ ما تنمّ عنه العبارة الدرويشيّة يتعدّى صاحبها إلى جماعات أوسع من “قوميّين” و”يساريّين” يقفزون قفزة واحدة عجيبة من نعيم “الأنظمة التقدّميّة” (و”يا أهلاً بالمعارك” و”أصبح عندي الآن بندقيّة”) إلى جحيم الهزيمة التي افتتحت زمناً رديئاً لا قيامة بعده.

    وإذا كانت الملحميّة الصوتيّة هي وحدها ما يصمد من هذا “التأويل”، فإنّ الانتقال إلى “التأويل” الدينيّ والخرافيّ لن يكون صعباً أو غير متوقّع. فمن هذا الإخلال (“القوميّ – اليساريّ”) بالمعاني ومن الفصل بين الأسباب والنتائج، يتقدّم حامل الوعي السلفيّ الذي يستأصل المعاني ويجتثّ آخر رابط بين الأسباب والنتائج. هكذا تنفتح للتأويل طريق واحدة وحيدة تفضي حكماً إلى “العليّ القدير”.

    لكنْ يبقى أنّ الشقّ الأعرض من “القوميّين” و”اليساريّين” الذي يتباهى بالحقبة الناصريّة ثمّ يعارض الثورات العربيّة يبقى متماسكاً في ما يذهب إليه. فلا الحرّيّة المفقودة آنذاك عنت له شيئاً، ولا طلب الحرّيّة اليوم يعني له شيئاً. وهذا على عكس التهافت الذي يُبديه تبنّي الحرّيّة اليوم، وتبنّي الناصريّة، أو اللاحرّيّة، عهد ذاك.

    بطبيعة الحال، وفي بعض الهوامش “القوميّة” و”اليساريّة”، يحضر التذاكي الذي يأخذ على الناصريّة لاديمقراطيّتها لكنّه يؤيّدها بالمجمل. وفي هذا يضمر المتذاكون، ولو قالوا عكس ذلك، أنّ الديمقراطيّة تفصيل كماليّ، واعدين بتسوية لم تحدث مرّةً من قبلُ بين قوميّة كالقوميّة الناصريّة والديمقراطيّة.

    وهذا عموماً لا يُخرجنا من متاهة “الزمن العربيّ الرديء” ومن فصاحتها الملحميّة السقيمة. وهي متاهة لم ينجح فعليّاً في الخروج منها إلاّ الإسلاميّون بِسَوْقِنا إلى متاهة أوسع ورداءة أكبر لا يبدو أنّ السبيل إلى مغادرتهما مفتوح أو معبّد.

يجب تسجيل الدخول للرد على هذا الموضوع.